الشيخ محمد النهاوندي
386
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
وفي التّكنية عنهم بضمير الغائب إشعار بالإعراض عنهم لعدم قابليّتهم للمخاطبة لفرط حماقتهم ، فكأنّه تعالى وجّه الخطاب إلى العقلاء ، وقال : انظروا أيّها العقلاء إلى هؤلاء الحمقى السّفهاء ، أنّهم مع قيام البراهين القاطعة على توحيد اللّه واستحقاقه العبادة ؛ إذا قيل لهم اعملوا بكتاب اللّه وتديّنوا بتوحيده وخصّوه بالعبادة قالُوا : لا نتّبع كتاب اللّه ، ولا نتديّن بدينه بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا ووجدنا عَلَيْهِ آباءَنا من عبادة الأنداد ، وتحريم الطيّبات ، وارتكاب الفحشاء ؛ لأنّهم كانوا أعلم منّا . فعارضوا الأدلّة القاطعة بالتّقليد ، فردّ اللّه عليهم بقوله توبيخا وتقريعا لهم : أَ وَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ ولا يدركون شَيْئاً من الدّين الحقّ وَلا يَهْتَدُونَ إلى شيء من الصّواب . مع ذلك لا يمكن جواز اتّباعهم في حكم العقل . قيل : إنّها نزلت في مشركي العرب وكفّار قريش ، أمروا باتّباع القرآن وسائر ما أنزل اللّه تعالى من البيّنات الباهرة ، فجنحوا للتّقليد « 1 » . ونقل عن ابن عبّاس : أنّها نزلت في اليهود ، وذلك حين دعاهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله إلى الإسلام ، فقالوا : نتّبع ما وجدنا عليه آباءنا « 2 » . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 171 ] وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلاَّ دُعاءً وَنِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ ( 171 ) ثمّ أنّه تعالى لتوضيح نهاية حماقة هؤلاء الكفرة لجميع النّاس حتّى لا يبقى لأحد فيها ريب ، شبّههم بالبهائم والأنعام ، بقوله : وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا وحالهم العجيبة من عبادتهم الأصنام ، وعدم فهمهم آيات التّوحيد ، وعدم استماعهم لدعوة الرّسل كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ ويصيح بِما لا يَسْمَعُ من الدّاعي ، ولا يدرك من كلامه إِلَّا دُعاءً وَنِداءً وغير صوت وصياح من غير فهم شيء من معناه . قيل : إنّ الفرق بين الدّعاء والنّداء ، أنّ الدعاء للقريب ، والنّداء للبعيد « 3 » . عن ( المجمع ) : عن الباقر عليه السّلام : « أي مثلهم في دعائك إيّاهم إلى الإيمان ، كمثل النّاعق في دعائه المنعوق به من البهائم التي لا تفهم ، وإنّما تسمع الصّوت » « 4 » .
--> ( 1 ) . تفسير روح البيان 1 : 274 . ( 2 ) . تفسير الرازي 5 : 6 . ( 3 ) . تفسير روح البيان 1 : 274 . ( 4 ) . مجمع البيان 1 : 463 ، تفسير الصافي 1 : 193 .